نذير حمدان

175

حكمة القرآن والحضارة

( الأنفال 113 ) ، وإلى صدق الإيمان قولا وعقيدة وفعلا ( العنكبوت 2 - 3 ) . إنه اختبار تمحيصي ينال المؤمنين في كل مكان وزمان ويثبتون لأحداثه اشتدت أو ضعفت ، ويطلبون من اللّه أن يعينهم عليه . وبذلك يضرب هؤلاء المختبرون المفتونون أروع المثل في الصبر على البلاء لتثبيت قلوب إخوانهم الضعاف وحفز متصل للدعوة إلى اللّه ولبناء حضارة القرآن . - والامتحان مثل الفتنة والافتتان في معناه المادي الخاص فإن امتحان الذهب والفضة في تخليصه من الخبث وتصفيته من الشوائب قد نقله القرآن أيضا إلى تنقية النفس البشرية من الدّعة والتكاسل حيث يتجلى صدق الإيمان ورسوخ العقيدة بالامتثال إلى أوامره والصبر على المكروه فيها . وفي حالة خاصة إن المؤمنات المهاجرات لا بدّ من امتحانهن في حادثة الهجرة لمعرفة مدى استعدادهن لأعبائها ومشقاتها . وإذ هو أول امتحان نسائي تؤهل المرأة من بعده إلى أن تكون أنموذج التربية بالقول والحال والتوجيه ( الممتحنة 10 ) فإنها وفي حالة بعيدة أخرى تقابل ( امتحان ) الرجال الذين كانوا يرفعون أصواتهم بالنداء لرسول اللّه حين كان بعضهم يقول : يا محمد اخرج إلينا فإن مدحنا زين ، وذمنا شين كما جاء في بعض الروايات . فهو أدب الخطاب وتهذيب النداء للإقلاع عن عادة الصراخ والصياح ، وهي إحدى العادات الجاهلية التي استطاع القرآن أن ينتزعها منهم ، مهما قويت في نفوسهم . ومثل هذا الامتحان الذي يتجاوز العادات البالية كلها دليل على نجاح أهله الَّذِينَ امْتَحَنَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ لِلتَّقْوى ( الحجرات 3 ) . وهي حكمة الأدب هنا كما أنه حكمة الأمثولة هناك . - والابتلاء : وهو أقربها وأصرحها وأخصها وأغزرها في بابها من حيث أنه لم يرد له في القرآن معنى أو معان أخرى ، وإذ أنه اجتمع مع ( الفتنة ) في الامتحان بالخير والشر معا ( الأنبياء 35 ) ، فإن اشتراكهما في التأثيرات المادية الأليمة عند الأزمات تذكر بمواقف الصمود والصبر من أجل راية الحق والإيمان . ومن وسائل ( البلاء ) بمعنى الاختبار المخاوف والجوع ونقص الأموال والأنفس والثمرات ( البقرة 155 ) ، ومتاع الصيد ( المائدة 94 ) ، ونعمة الاستقرار ( النحل 40 ) ، والنصر على الأعداء وكيف يكون حالهم عندها ( الأنفال